→ كل المقالات
الهوية4 دقيقة قراءة

السؤال الذي لا يحذرك منه أحد عند التقاعد

تقضي ثلاثين عامًا تجيب عن سؤال واحد، ثم يأتي يوم تكتشف فيه أن إجابتك لم تعد صالحة.

«ماذا تعمل؟« كانت الإجابة جاهزة على لسانك طوال حياتك العملية: اسم وظيفتك أو دورك الذي يعرّف الناس بك، ويعرّفك أنت أيضًا بنفسك. ثم تتقاعد، وحين يسألك أحدهم هذا السؤال مرة أخرى، تتردد لحظة، لأن الإجابة الصادقة صارت فعلًا ماضيًا: «كنت أعمل...«. تلك اللحظة الصغيرة هي بداية السؤال الحقيقي في التقاعد، ولا يكاد أحد ينبّهك إلى أنه قادم.

أذكر صديقًا أدار شركة كبيرة لعقود، وبعد أشهر من تقاعده سأله أحدهم في عشاء: «ماذا تعمل؟« فابتسم وتوقف قليلًا، ولمحت على وجهه ارتباكًا عابرًا، ثم قال: «أنا... متقاعد«، وأتبعها، كمن يعتذر، بذكر المنصب الذي لم يعد يشغله. وفي آخر الليلة قال لي: «لم أكن أدرك أن جزءًا كبيرًا مني كان معلقًا بهذه الكلمة«.

لم يكن يفتقد العمل، فقد كان مستعدًا لتركه، لكنه افتقد التقدير الذي كان يرافقه، وشعوره بأن له وزنًا وصوتًا وتأثيرًا.

فحين تتقاعد لا تخسر وظيفة فحسب، بل تخسر إطارًا كان يجيب عنك كل يوم عن سؤال أكبر: من أنا؟ وهل ما يزال لي شأن؟ وحين يغيب هذا الإطار، يبقى السؤال وتغيب الإجابة السهلة. ولهذا يفقد بعض الناس توازنهم بعد أشهر من تقاعد مريح ماديًا، فالمسألة أعمق من الملل، إنها مسألة هوية: من أنا الآن، بعد أن لم أعد الشخص الذي كنته؟

سؤال مزعج، لكنه من أهم ما يمكن أن تجيب عنه في هذه المرحلة، لأن الإجابة صارت اليوم في يدك أنت.

ويتعامل معه أكثر الناس بإحدى طريقتين لا تنفع أيٌّ منهما. فبعضهم يتشبث بالماضي، فيواصل تقديم نفسه بمنصبه القديم، ويعيد القصص ذاتها، ويحبس نفسه دون أن يقصد في صورة الشخص الذي كانه. وبعضهم ينسحب، فيقرر أن الفصل المهم من حياته انتهى، ويضيّق دائرته ويترك السؤال بلا جواب، وهذا أخطر الطريقين لأنه يُطفئ ما بقي حيًّا فيه.

أما الطريق الثالث فيبدأ بتعديل بسيط في السؤال: بدلًا من أن تسأل عن الشخص الذي كنته، اسأل عن الشخص الذي تريد أن تكونه. فالأول يشدّك إلى فصل كُتبت سطوره الأخيرة، والثاني يوجهك إلى فصل لم يُكتب بعد.

لم تكن هويتك يومًا مجرد مسمى وظيفي، فالمسمى كان أسهل طريقة لاختصارك في كلمة. أما ما جعل لك قيمة حقيقية، من حسن تقديرك واهتمامك بالناس وخبرتك وطريقتك في النظر إلى الأشياء، فلم تسلّمه مع بطاقة العمل يوم غادرت.

فإذا سألك أحدهم: «ماذا تعمل؟« وشعرت بتلك الوقفة الصغيرة، فلا تستعجل ملأها بفعل ماضٍ، لأن خلف هذا السؤال العابر سؤالًا أهم: من هو الشخص الذي ما يزال بوسعي أن أكونه؟ ولا يلزمك أن تجيب عنه كاملًا اليوم، لكنك إن واجهته بصدق وشجاعة، فقد يفتح لك فصلًا من أقرب فصول حياتك إلى حقيقتك.

لم يكن المسمى الوظيفي هو الحكاية كلها، وما بقي منها لك أنت أن تكتبه.

هل أنت مستعد للإجابة عن السؤال بنفسك؟ يمنحك كتاب «التعاقد مع الحياة» وكتيّب تصميم الحياة طرق التفكير والممارسات والبنية خطوةً بخطوة للانتقال من سؤال «مَن كنتُ؟» إلى فصل قادم مبنيّ على هدف.

جرّب الخطة المجانية.

خطة الأسبوعين للبدء، مع رسالة أسبوعية عن عيش حياة كاملة في أي عمر. بقلم ماهر، لا فريق تسويق.