→ كل المقالات
الهوية5 دقيقة قراءة

من المسمى الوظيفي إلى الهوية الحقيقية: من أنت بعد العمل؟

على مدى عقود، كان المسمى الوظيفي يؤدي عنك عملًا صامتًا؛ يخبر الناس بما تفعل، وبمكانك في المؤسسة، وبالسبب الذي يجعلهم يأخذون كلامك بجدية، ويخبرك أنت بالشيء نفسه كل صباح. ثم تسلّمه يوم تغادر، فيحل محله سؤال ربما لم يخطر لك منذ زمن طويل: من أنا بعيدًا عن هذا الدور؟

من الطبيعي أن تشعر بالفقد، فأنت فقدت شيئًا فعلًا. لكنك تستطيع الآن، لأول مرة منذ سنوات، أن ترى ما كان تحت الدور، وأن تبني بوعي الهوية التي تريدها لمرحلتك القادمة.

رأيت كثيرين يتقاعدون وتمضي أشهر وهم ما يزالون يعرّفون أنفسهم بالوظيفة التي لم يعودوا يشغلونها، وتكاد كل حكاياتهم تأتي من الماضي. ولا عيب في أن تعتز بتاريخك، لكن الهوية حين تتجمد عند الماضي تبدأ الحياة في الانكماش، فتغدو أشبه بمتحف أنيق للشخص الذي كنته: محفوظ جيدًا، لكنه لا يتحرك. والخطأ هنا هو الخلط بين انتهاء الدور وانتهاء قدرتك على أن تصير شيئًا آخر.

المسمى الوظيفي شيء يُمنح لك، تمنحك إياه الشركة وتستطيع أن تسترده. أما هويتك فتُبنى مما لا ينتزعه منك أحد في حفل وداع: قيمك، وشخصيتك، وحسن تقديرك للأمور، وطريقتك في معاملة الناس، وما يهمك حقًا. وخلال سنوات العمل يمتزج المسمى بالهوية حتى يصعب الفصل بينهما، فإذا غاب المسمى، خُيّل إليك أن هويتك غابت معه، مع أنها كانت تحته طوال الوقت.

ولهذا فالتقاعد، رغم ارتباكه، فرصة لتسأل نفسك: الآن وقد كفّ المسمى عن الحديث نيابة عني، من أختار أن أكون؟ ولن تأتيك الإجابة هذه المرة من صاحب عمل، ولا من السوق، ولا من سلّم الترقيات.

ولست بحاجة إلى قلب حياتك رأسًا على عقب كي تنتقل من مسمى مستعار إلى هوية تختارها، بل إلى بناء هادئ واعٍ. ابدأ بالفصل بين ما كنت تفعله ومن تكون؛ فربما تفتقد العمل نفسه، وربما تفتقد التقدير الذي كان يرافقه، والتمييز بين الأمرين يعرّفك ما تحتاج إلى استعادته. ثم انطلق من قيمك لا من مهنتك: جرّب أن تصف نفسك في ثلاثين ثانية دون أن تذكر أي وظيفة، وانظر ماذا يبقى؛ فضول؟ كرم؟ أنك الشخص الذي يلجأ إليه الناس عند المشكلات؟ هذه هي المادة الخام لهويتك.

واجعل هذه الهوية ظاهرة في حياتك، فالهوية التي تبقى فكرة في رأسك تتلاشى بسرعة. غيّر طريقتك في تقديم نفسك، وادخل مكانًا لا يعرفك فيه أحد بمسماك القديم. وأخيرًا، تقبّل أن تعود مبتدئًا: جرّب مهارة لا تتقنها أو جماعة جديدة، فالنمو يتطلب أن تقبل النقص من جديد، وهذا ليس تراجعًا.

قد يبدو فقدان المسمى فقدانًا للذات، لكنه قد يكون اللحظة التي يظهر فيها ما هو حقيقي فيك، فتعيد بناءه مستندًا إلى ما أنجزته دون أن تقف عنده. ومن أفدح الأخطاء في هذه المرحلة أن تقرر، في صمت، أن نموك قد اكتمل.

لم تكن هويتك يومًا مطبوعة على بطاقة عمل، بل كانت تحتها، تنتظر اليوم الذي تكتبها فيه بيدك. وهذا اليوم هو اليوم.

هل أنت مستعد لبناء هويتك بعد العمل؟ يمنحك كتاب «التعاقد مع الحياة» وكتيّب تصميم الحياة طرق التفكير والممارسات والبنية خطوةً بخطوة لـالانتقال من مسمّى مستعار إلى هوية مصمّمة بقصد.

جرّب الخطة المجانية.

خطة الأسبوعين للبدء، مع رسالة أسبوعية عن عيش حياة كاملة في أي عمر. بقلم ماهر، لا فريق تسويق.