هل أنت «مشغول« أم أنك تعيش حياة عامرة؟ الفرق الذي يصنع تقاعدًا جيدًا
اسأل متقاعدًا حديث العهد عن أحواله، ستسمع غالبًا كلمة واحدة: «مشغول«. وقد يقولها بشيء من الاعتزاز، بالنبرة نفسها التي كان يحدّثك بها عن أسبوع حافل في العمل؛ فجدوله مزدحم، ولديه دائمًا ما يفعله.
ازدحام الجدول لا يعني بالضرورة أن الحياة عامرة، فقد تكون مشغولًا على مدار الساعة، ومع ذلك تشعر أن حياتك ينقصها شيء ما. هذه الفجوة بين «أيام مزدحمة« و«حياة عامرة بالمعنى« هي أهم ما ينبغي أن تنتبه إليه في هذه المرحلة من حياتك.
يتقاعد شخص كفؤ، فيستغرب أوقات الفراغ الجديدة، بل ينزعج منها أحيانًا، ويسارع إلى سدّها بقائمة طويلة من المهام الصغيرة، ثم تتوسع القائمة حتى تبتلع كل وقته. رأيت ذلك يحدث باستمرار مع كثير من الأشخاص الذين يبدو تقاعدهم من الخارج نابضًا بالحياة، لكنه قد يكون من الداخل متعِبًا وغير مُرضٍ لهم، لأنهم قد يكونون مشغولين دون هدف، فيقضون أيامهم في إنجاز الأشياء ثم يأوون إلى فراشهم دون أن يشعروا بأي وزن ليومهم.
قد يتشابه الجدول المزدحم والحياة العامرة على الورق، لكن وقعهما في النفس مختلف تمامًا.
ولا بد هنا من تسمية أصل المشكلة. لقد تعلمت خلال سنوات العمل أن قيمتك تُقاس بقدر ما تنجز، وأنك ما دمت مشغولًا، فأنت شخص مهم. كانت هذه الفكرة نافعة في العمل، لأنها دفعتنا إلى الإنجاز، لكنها تستمر معنا عند التقاعد، فنشعر بالذنب إذا استرحنا، ونحمّل أنفسنا فوق ما نريد لنقنعها بأننا ما زلنا نافعين، ونخلط بين كثرة الحركة والمعنى. نبقى مشغولين لأن الفراغ يقلقنا.
وهكذا يصبح الانشغال هروبًا من الأسئلة التي يطرحها علينا التقاعد، فحشو اليوم بالمهام أسهل بكثير من أن نسأل: ما الغاية من هذا اليوم أصلًا؟
لا تُقاس الحياة العامرة بحجم الإنتاج، بل بمدى انسجام ما تفعله مع الأشياء التي تهمك في هذه المرحلة. وهذه أسئلة بسيطة تعينك على ذلك:
هل تشعر بطاقة أكبر أم باستنزاف بعد أن تفرغ من النشاط؟ النشاط الذي يمنحك شيئًا من الرضا قد يتعبك، لكنه يعيد إليك غالبًا شيئًا من طاقتك، أما الانشغال لمجرد الانشغال، فيستنزف طاقتك دون أي تعويض.
هل سيظل هذا النشاط جديرًا بوقتك لو لم يعلم أحد أنك قمت به؟ إن كانت قيمته في أنه يتيح لك أن تقول للناس إنك «ما تزال مشغولًا«، فلعله يخدم صورتك أمامهم أكثر مما يخدم حياتك.
هل استحق الأسبوع الوقت الذي قضيته فيه؟ وليس المقصود هنا عدد الإنجازات، بل قيمتها.
وانتبه كذلك إلى ألا تحكم على النشاط بمظهره أو بقدر أهميته في أعين الآخرين. فجلسة قهوة مع صديق قد تبدو وقتًا ضائعًا، مع أن التواصل مع الناس من أثمن ما في التقاعد. فالعبرة ليست أن يبدو ما تفعله مهمًا لغيرك، إنما لك.
لا يُقاس التقاعد الجيد بمدى ازدحام أيامك، بل بشعورك بقيمة الأشياء التي تضع لها الوقت. فقد يكون لشخصين جدولان مزدحمان بذات القدر، لكنهما يعيشان تقاعدين مختلفين تمامًا: أحدهما مشغول فحسب، والآخر يعيش حياته حقًا.
وليس الهدف أن تقلل مما تفعل، فهناك أشخاص يعيشون حياة عامرة وهم في غاية النشاط. الهدف أن تكفّ عن الخلط بين الحركة والمعنى، وأن تختار بنفسك كيف تقضي أيامك، وألا تسمح لها أن تتشكل من تلقاء نفسها.
فإذا شعرت أنك ستكون «مشغولًا« في الأسبوع القادم، اسأل نفسك: «هل ما سأفعله في هذا الأسبوع سيجعل حياتي عامرة حقًا؟«
يتمنى كثير من الناس لو حمل تقاعدهم قدرًا أكبر من المعنى، وهذا، إلى حد بعيد، ما يزال في يدك.
هل أنت مستعد لتستبدل جدولًا مزدحمًا بحياة عامرة؟ يمنحك كتاب «التعاقد مع الحياة» وكتيّب تصميم الحياة طرق التفكير والممارسات والبنية خطوةً بخطوة لـتصميم أيام لا تملأ الوقت فحسب — بل تمنحه معنى.
