→ كل المقالات
طريقة التفكير5 دقيقة قراءة

التقبّل ليس استسلامًا: كيف تتصالح مع فصل جديد من حياتك

كلمة «التقبّل« يتردد أمامها كثير من أصحاب الهمة والإنجاز. فمن قضى عمره يتقدم ويضغط على نفسه ويأبى الاستسلام، قد يرى فيها اعترافًا بالهزيمة، وكأن الجزء الجميل من الحياة قد ولّى ولم يبقَ إلا أن ترضى بما تبقى. وبعد سنوات من سماع «واصل التقدم« و«لا ترضَ بأقل مما تريد«، من الطبيعي أن ننفر حين يُقترح علينا أن نتقبل فصلًا جديدًا من حياتنا.

لكن التقبل شيء آخر غير الاستسلام، وإذا فهمناه كما ينبغي، فقد يكون من أكثر الخطوات تحريرًا للنفس في هذه المرحلة.

رأيت كثيرين عالقين في صراع صامت. ينتهي فصل من حياتهم، مهنة أو دور أو صورة عاشوا بها عقودًا، فيظلون يجادلون هذه الحقيقة في داخلهم؛ يستعيدون ما كانت عليه الأمور، ويقارنون كل يوم بأيامهم الخوالي، ويتشبثون بهوية لم تعد تلائمهم. قد يبدو ذلك وفاءً للماضي، لكنه منهِك، فكل طاقة تبذلها في الإصرار على أن الأمور كان ينبغي أن تبقى على حالها، تُقتطع مما يمكن أن يأتي بعدها. والماضي لا يتغير، وسؤال «لماذا تغيّر هذا؟« لن يعيد إليك شيئًا، بل يبقيك معلقًا بشاطئ غادرته فعلًا.

الاستسلام يقول: انتهى هذا، فلم يعد في الحياة ما يستحق. أما التقبل فيقول: انتهى هذا، فما الذي أستطيع أن أبنيه من هنا؟ الأول يغلق الباب ويقف عنده، والثاني يغلقه ثم يلتفت إلى الأبواب الأخرى.

ولا يعني التقبل أن ترضى بالخسارة، أو تتظاهر بأن التغيير لا يؤلم، أو تغلّف النهاية بتفاؤل مصطنع، بل أن تسمّي الحقيقة باسمها بلا إنكار ولا مرارة، وأن تكفّ عن سؤال «لماذا حدث هذا؟« لتبدأ بسؤال «وماذا الآن؟«. وحين تضع عنك عبء مقاومة الواقع، لن تصير سلبيًا، بل أقدر على الاختيار وإعادة ترتيب حياتك والمضي قدمًا.

والتقبل ليس قرارًا تتخذه مرة واحدة، بل مهارة تتمرن عليها. ابدأ بأن تسمّي ما انتهى، فالحزن المبهم يبقى عالقًا، أما حين تقول بوضوح إن الدور والإيقاع وصورتك المرتبطة بهما قد انتهت، فيصبح التعامل مع ذلك ممكنًا. فالمهن تنتهي والفصول تتبدل، وليس في ذلك فشل. ثم انتبه إلى ما تحزن عليه حقًا، فكثيرًا ما لا نفتقد العمل ذاته، بل ما كان يمنحنا إياه: الإطار، والمكانة، والشعور بأن هناك من يحتاج إلينا. وحين تعرف ذلك، تعرف ما يمكنك أن تعيد بناءه.

وكفّ عن مقارنة يومك بأمسك، وهذه أصعب العادات تركًا وأكثرها تحريرًا. أن تتذكر الماضي بامتنان أمر صحي، أما أن تجعله مقياسًا لكل يوم جديد فليس كذلك، وحين تتوقف عن المقارنة، يكفّ الحاضر عن الظهور في صورة الخيبة، ويبدأ في الظهور في صورة الفرصة. ثم اسأل السؤال الذي يتجه إلى الأمام: ما الذي أستطيع أن أبنيه من هنا؟

والنهايات ليست سواء، فهناك خسارات أثقل بكثير من انتهاء مهنة، قد تكسر الإنسان حقًا، ولا تكفي خطوات بسيطة لمداواتها، والحزن لا يسير وفق جدول زمني. وفي مثل هذه الأحوال، قد يكون لوجود أشخاص تثق بهم، أو للاستعانة بمختص، أثر كبير. ومع ذلك أومن، بعد أقسى التجارب، أن الخسارة العميقة نفسها يمكن مع الوقت أن تُواجَه بالسؤال ذاته، ولكن برفق: هذا هو المكان الذي وصلت إليه، فما الخير الذي أستطيع أن أبنيه من هنا؟ وحين يحين وقته، قد يتحول الألم نفسه إلى شيء ينفع الآخرين.

أما التوتر الذي تشعر به الآن بين الشخص الذي كنته والشخص الذي تمضي نحوه، فليس بالضرورة علامة على خطأ ما، بل قد يكون هو الباب، وإن ظنه أكثر الناس جدارًا. والتقبل هو ما يعينك على عبوره، حين تنهي جدالك المرهق مع واقع تغيّر فعلًا، وتلتفت إلى ما بقي أمامك.

فإن كان في حياتك فصل ما تزال ترفض في داخلك أن ينتهي، فاسأل نفسك: هذا هو المكان الذي وصلت إليه، فما الذي أستطيع أن أبنيه من هنا؟

فالحرية الحقيقية في هذه المرحلة لا تأتي من التشبث بالشخص الذي كنته، بل حين تسمح لنفسك بأن تصير الشخص الذي تحتاج إلى أن تكونه في ما بقي من الطريق.

هل أنت مستعد لتتصالح مع هذا الفصل وتصمّم القادم؟ يمنحك كتاب «التعاقد مع الحياة» وكتيّب تصميم الحياة طرق التفكير والممارسات والبنية خطوةً بخطوة لـالتخلّي عمّا انتهى وبناء ما هو آت.

جرّب الخطة المجانية.

خطة الأسبوعين للبدء، مع رسالة أسبوعية عن عيش حياة كاملة في أي عمر. بقلم ماهر، لا فريق تسويق.